الأحد، 14 أبريل 2024

أعادة إعمار ام بناء دولة رعاية اجتماعية جديدة

عادة اعمار ام بناء دوله عدالة اجتماعية جديدة ؟

خالد اليسع 

13/4/2024

 


مقدمة :-

 

اعتادت الراسمالية الاستخدام المتكرر  لعبارة (اعادة اعمار ما دمرته الحرب ) ، لم يتم اختيار هذه العبارة عن طريق الصدفة فهي تحمل في داخلها المعني الحرفي لاعادة تدوير المصالح الرأسمالية.

من المعروف الان ان الحروب لا تنشأ في العصر الحديث الا بدوافع ووقود علاقات الاقتصاد السياسي الرأسمالية، يشمل ذلك المنطلق الأولي لاشعال الحروب وهو مبدأ  الفردانية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الذي تكرس له علاقات الانتاج الرأسمالي بنهب مجهود الكادحين بمواقع الإنتاج، مروراً بدورها في زيادة الإفقار  وتدمير البيئة للشعوب مما يسهل تحويلهم لجنود يقتلون بعضهم البعض لخدمة مصالح سادة وسيدات لا يرونهم بالعين المجردة .

 

تلعب الرأسمالية الدور الرئيسي في خلق اكبر قوة تدميرية ممكنة للحرب لان هذا يعني تسويق أعلى للسلاح ومنتجات الاعلام الحربى وفرص اكبر في تشغيل شركاتها بعد ذلك بهدف (اعادة الأعمار!!!)

 

لكن يطيب للسياسة البرجوازية وصف الحروب على انها مجرد صراع على السلطة بين أطراف لاعلاقة لهم بالاقتصاد السياسي لطبيعتها  وبالتالي يسهل ترويج شعارها لاعادة الاعمار كأنما لم تكن هي جزء اساسي من دمار المعمر بسنوات طويلة من جهد الكادحين.

 

يلخص شعار أعاده الاعمار أيضاً الرغبة الملحة لاستنساخ ليس فقط المباني والطرق ولكن ذات الظروف وعلاقات الانتاج والتوزيع والاستهلاك التي خلقت اسباب الحرب سابقاً  لان هذا ما يضمن الدخول في حروب جديد تحتاج لاعادة اعمار جديدة لتستمر دائرة الفوائد فتكلفة اعادة اعمار العراق بعد الحرب بلغت 125 مليار دولار وبلغت تكلفة الحرب تريليوني دولار تشكل ارباح فوائد الديون الأمريكية 925 مليار دولار ، اضافة لاستحواذ الشركات الأمريكية وغيرها على الأغلبية العظمى من عقود اعادة الاعمار .

 

كل هذه الارباح لشركات السلاح والبترول والإنشاءات وغيرها وفوائد  ارباح الديون من البنوك والبيوتات المالية يدفع ثمنها أولاً الشعب العراقي وبعد ذلك الكادحين من دافعي الضرائب الامريكان وغيرهم .

 

كما ان تكلفة اعادة اعمار ليبيا بعد الحرب قدرت بأكثر من 111 مليار دولار  في حين ان تكلفة الحرب بلغت 576 مليار دولار.

 

بالنظر من هذه الزاوية نفهم لماذا يتعالي خطاب اعادة الاعمار حتى قبل سكوت أصوات الرصاص ، فصحيح إن الراسمالية تربح من الخراب اكثر من اعادة الاعمار ولكن قبل دخول خطط اعادة الاعمار حيز التنفيذ لايمكن البدء بجني الارباح، و مرحلة اعادة الاعمار غير مرتبطة بتحقيق سلام دائم او حتي ايقاف الموت ويمكن ملاحظة ذلك في النموذجين المذكورين فبرغم استمرار الحروب والموت بالعراق وليبيا ولكن أجبر البلدان على توقيع عقود ضخمة لاعادة الاعمار ودفع تكاليف الحرب خصماً من احتياجات الشعبين الاساسية مما يجعل اندلاع مزيد من الحروب مسألة وقت فقط .

 

خيارات السودان 

 

السودان الان ما بين نموذج يتم التبشير به تحت عنوان اعادة الاعمار وهو شكل يتركز الاعلان عنه في اعادة بناء الطرق وشبكات الكهرباء بالاستعانة بالشركات العالمية كما كان تروج لها حكومة حمدوك ومؤتمر شاتم هاوس وصندوق النقد الدولي.

ونموذج اخر يحتاج طرحه لمجهود عظيم من الشعب السوداني وقوى الثورة الحقيقية وهو نموذج يستند علي إلغاء النموذج السابق للتنمية غير المتوازنة واحتكار الموارد و الثروات لمصلحة أقلية مرتبطة برأس المال العالمي.

 

النموذج الاول تظهر ملامحه في لقاء وزير الطاقة للانقلاب مع هانس رنكى كبير مستشاري المجموعة الألمانية للخدمات والاستشارات بتاريخ ١٥/٢/٢٠٢٤ واعلانه فتح الفرص للشركات الألمانية لاعادة تاهيل القطاع والاستثمار فيه ، ويشمل الاطروحات المتعددة لاعادة الاعمار والتوصيات مثل تلك  المقدمة في المائدة المستديرة في  بيت التراث بالقاهرة في فبراير ٢٠٢٤  والذي طالبت من ضمن توصياتها بتفعيل الشراكة بين القطاع العام والخاص  وهي الشراكة التي سنت لها حكومة حمدوك قانون  في ابريل 2021 .

القانون المذكور يعطي الهيمنة الكاملة على الاقتصاد السوداني للشركات الرأسمالية الأجنبية والمحلية ويفتح البواب واسعاً امام فساد كبار موظفي الدولة وقد اوضحت ذلك في مقال سابق (١).

 خلاصة اهداف هذا النموذج ستقود الي اعادة تشييد الخرطوم كعاصمة مركزية للرأسمالية بذات المواصفات والعيوب وربما عاصمة اخري موازية لها لدولة منفصلة حديثاً بغرب السودان ، يشمل ايضاً تنفيذ كامل سياسات البنك وصندوق النقد الدولي بخصخصة الاقتصاد وتشجيع الراسمالية المحلية والعالمية بما يضمن استمرار نهب موارد السودانيات والسودانيين واعادة بناء اقتصاد يتحكم فيه البورصة العالمية والبنك الفيدرالي الأمريكي او البنك الصناعي والتجاري الصيني وبنك جيه بي مورغان  .

يركز هذا النموذج على اعادة بناء مؤسسات دولة تمهد وتخدم المستثمرين وليس المواطنين من خلال طرق تخدم حركة الصادرات  ومشاريع إنتاجية بغرض الصادرات الأولية وشبه المصنعه ، وستمتنع تماماً عن تدخل القطاع العام او قطاع الدولة في عمليات الانتاج ، (اعني بالقطاع العام المؤسسات والشركات المملوكة بشكل جماعي للمواطنين مثل مشاريع الزراعة الجماعية و التعاونيات وشركات المساهمة العامة المملوكة للمنتجين ).

 

النموذج الثاني الواجب العمل عليه هو بناء وطن عادل بما تعنيه هذه الجملة من حقوق العدالة الاجتماعية وفرص العمل الجماعي والاشتراك الجماهيري الواسع للكادحين في تحديد نوع وكيفية الانتاج والتوزيع والاستهلاك.

تبدأ هذه التنمية ببناء واسع للتعاونيات وشركات المساهمة العامة داخل وخارج السودان ووسط اللاجئين والمغتربين بما يؤهل هذه المؤسسات للعب الدور القيادي المطلوب في عملية التنمية من خلال مراكمة المهارات والإمكانيات اللازمة.

هذا النموذج يلعب فيه قطاع الدولة دور محوري في عملية البناء للقطاع العام الواسع من خلال برنامج سياسي واقتصادي متكامل يضع مصالح الكادحين اولاً وبالتالي مصالح السودان مقدمة على مصالح الشركات الأجنبية وصناديق التمويل التي تقف خلفها ولا يتعارض في  بشكل كامل مع الاستعانة بالخبرات الأجنبية في تاهيل الكادر السوداني وتطوير القدرات التقنية للمؤسسات ولكن وفق اشتراطات محددة تخدم فرص الاستغناء التدريجي عن المؤسسات الاقتصادية الأجنبية بتوطين الانتاج والتقنية.

وفي هذا الاطار يمكن الاستفادة من تجارب سابقة باخطائها وايجابياتها  لدول مثل الاتحاد السوفييتي(2) و الصين اثناء الثورة الصينيه.

 

من المهم ان يركز هذا النموذج على بناء موسسات انتاج ادوات الانتاج نفسها وليس فقط المواد الاستهلاكية فصناعات مثل صناعة الآلات المتوسطة مهمة لضمان استمرار التنمية وعدم الخضوع لشروط المؤسسات الأمبريالية التي يمكنها محاصرة السودان عن طريق منع نقل ادوات الانتاج.

يجب ان يكون هناك استراتيجية مهمة في ما يتعلق بتحويل علاقات الانتاج التناحرية بي الرعاة والمزارعين في اغلب مواقع السودان خصوصأ غربه وجنوبه لعلاقات تكافلية ولايمكن الوصول لذلك دون تحويل هذه الأنشطة لشكل اكثر استدامة بيئياً واكثر تطور تقنياً من خلال تحويل منتجاته بواسطة الصناعات التحويلية والتي تساهم من خلال علاقات انتاجها في تذويب الفروق العنصرية  وفي حال اكمال ذلك من خلال العلاقات التعاونية فان ذلك يقود لترسيخ الديموقراطية كجزء اساسي في نمط الحياه وبالتالي يسهل بناء ديمقراطية سياسية في حال ترسيخ الديمقراطية الاقتصادية.

هذا الاتجاه يؤدي على المدي الطويل والمتوسط لانتفاء فرص التمليش (تحول المواطنين لجنود مليشيات مرتزقة) من خلال توفير فرص مستقبلية افضل لهم وتغيير مفاهيم وتركيبة البنية الثقافية لهم لشكل اكثر عدالة وديموقراطية.

 

كيف نبني البنية التحتية ما بعد الحرب ؟

البنية التحتية الانشائية هي وبعكس الاعتقاد الشائع مجرد وسيلة لتنفيذ البنية التحتية الاقتصادية والسياسية، فإنشاء شبكات الطرق والموانئ البرية والبحرية والجوية وحتى تخطيط المنازل هو وسيلة لتنفيذ الخطط الاقتصادية وفق محددات ابرزها (الرغبة في زيادة الانتاج او الاستهلاك ، وضع الاولوية للتصدير ام تنمية السوق المحلى ، الاتجاه للزراعة والصناعة واسعة النطاق المجاورة للمدن ام تاسيس المدن الزراعية والصناعية في مواقع الانتاج ….الخ) .

وفي حين تبحث مشاريع (اعادة الاعمار) عن تحقيق اكبر قدر من الارباح لافراد محددين وبالتالي تركز تخطيط البنية التحتية لزيادة الانتاج والاستهلاك المرتبط بالخارج فان مشروع البناء العادل يركز على تحسين ظروف الحياه والانتاج والتوزيع بغرض خدمة السكان المحليين ثم تصدير الفائض للخارج ، وبالتالي التركيز على توزيع القاعدة الانتاجية والسكنية جغرافيا على كل السودان بدلاً من نماذج العمارات الشاهقة المتكدسة بالعاصمة والمدن الكبرى و انشاء الكباري التي تحل مشاكل تكدس السكان وازدحام الطرق.

 

خلاصة الفكرة اعلاه اننا يجب ان نتجه لطريق بديل لبناء السودان العادل بدلاً من تكرار مشاريع اعادة الاعمار التى تروج لها الشركات وبيوت التمويل العالمية التي لاتري في حرب السودان سوى فرصة لفتح أسواق وتحقيق ارباح جديدة لها تساهم مستقبلاً في اعادة التدمير وفق ذات دائرة الشر .

1/ قانون شراكة ام هيمنة شركات – خالد اليسع- نوفمبر 2021

2/ وضع  الاتحاد السوفييتي خطط للتخلص من التبعية شملت الاستعانة بالخبرات الأجنبية بالدول الرأسمالية وحتى شركاتها ولكن تحت خطط مركزية للدولة.


الاثنين، 14 يونيو 2021

انتاج لمصلحة من ؟

زيادة الانتاج لمصلحة من ؟
خالد اليسع
14/6/2021
كثرت التبريرات من عناصر تنظيمات النظام الحاكم الان في السودان  بان مشكلة الاقتصاد هي ضعف الانتاج وليست سياسات التبعية الاقتصادية الرأسمالية التي يمارسها.
بدأت هذه  التبريرات عند اقرار سياسات رفع اسعار سعر الصرف الرسمي التي بدأها البدوي ثم سياسات رفع سعر  الوقود والخبز والكهرباء.
كانت المبررات التي تساق بان على الدولة دعم الانتاج وليس الاستهلاك وتجاهلت التبريرات تماماً عن ان عملية الانتاج مرتبطة جداً بعمليتي التوزيع والاستهلاك.
فعند تثبيت اسعار الوقود الزراعي ورفع اسعار الوقود لترحيل المنتجات الزراعية فانت لا تخفض للمنتجين تكلفة انتاجهم بل تزيدها باحتياجهم لترحيل العمال والمنتجات مما يدفعهم لرفع اسعار منتجاتهم ويؤدى هذا الى انخفاض القدرة الشرائية للمستهلكين مما يدفع المنتجين لتخفيض انتاجهم وبالتالي زيادة تكلفته وقيمته او تحملهم لخسائر كساد انتاجهم.
وتقديرات الاقتصاد السوداني تشير الى ان اغلب المنتجين في الزراعة من عمال وفلاحين هم المستهلك الاكبر للمنتجات الزراعية وبالتالي انت ترفع تكلفة معيشتهم ولا تخفضها. كذلك منتجي المصانع الغذائية وغيرهم.
رغم ضعف هذه التبريرات الى انها لم تكن كافية لإرضاء السلطة الحاكمة فحسب بل دفعتها الى الاتجاه الى تعويم سعر صرف الجنية ورفع اسعار الوقود مرة اخرى تحت دعاوي تحرير الاسعار لتوفيرها الذي لم ولن يتم ابداً وحتى الغاء اسعار الوقود الإنتاجي والخدمي بإلغاء تسعيرات وقود المواصلات والزراعة والصناعة تحت مبرر ايقاف السوق الموازي!!!
تتجاهل السلطة وتوابعها التجارب الماثلة القريبة والبعيدة بان السوق الموازي نتاج لشح السلع وليس انخفاض اسعارها او ارتفاعه وانها كلما رفعت اسعار السلع الاستراتيجية يرتفع معها السوق الموازي بمعدل اعلى .
ولكن السؤال المهم هل بالسودان مشكلة حقيقية في الانتاج؟ 
الواضح ان المشكلة الحقيقية في السودان هي مشكلة اقتصاد سيأسى وليس انتاج فوفقاً لتعريف الاقتصاد السياسي بانه (العلاقة التي تنشا بين الناس في اطار علاقات الانتاج والتوزيع والاستهلاك)
فإن المشكلة الاساسية هي عدم العدالة في توزيع الانتاج وعائداته على السودانيين وارتفاع الاستهلاك للبعض مقابل ضعف قدرة الاخرين على دفع قيمة الاستهلاك.
انتجت السودانيين منذ انطلاق ثورة ديسمبر ملايين الاطنان من اللحوم والحبوب الزيتية والمحاصيل الحقلية ومئات الالاف من اطنان الذهب والقطن والصمغ العربي، ولكن لمصلحة من؟
ارتفعت ارباح الرأسماليين المرتبطين بالتجارة الخارجية من مصدرين و موسوقين داخليين مقابل انخفاض حاد فى دخول الفلاحين والعمال الزراعيين الذين ينتجون ودخول العمال في الصناعات الغذائية.
ارتفعت ارباح مصدري الذهب مقابل مزيد من الافقار لعمال المناجم والمعدنيين التقليديين.
ارتفعت اسعار اللحوم بحركة الصادرات والتضخم مما اجبر ملايين السودانيين على تخفيض استهلاك اسرهم للحوم ومنهم رعاة وعمال بهذة القطعان نفسها.
انخفض دخل المنتجين في القطاعات الصناعية والحرفيين بنسبة 50‎%‎ بسبب قطوعات الكهرباء ، وارتفع مقابلها دخل مستوردي السلع المصنعة بالخارج ومحتكري التجارة الداخلية.
بلغت المساحة المزروعة بالزراعة المطرية في موسم 2020 مساحة 49 مليون فدان تقريباً .
والمزروعة بالمشاريع المروية مليون و339 الف فدان ( تقرير المصدر وزارة الزراعة السودانية للعام 2020).
وبلغت قيمة الصادرات المسجلة في العام  2020 مبلغ 3مليار و61 مليون دولار. وفقاً لوثيقة الموازنة 2021.
وبلغ الناتج المحلى السوداني وفق السعر الجاري الان مع ثبات الرقم وقتها وبسعر 500 جنية للدولار   3,744.2 مليار جنية سوداني .
مايعنى 7 مليار و494 مليون دولار .
مما يعنى عند قسمتها على عدد السودانيين بافتراض 40 مليون سوداني/ة فإن نصيب الفرد هو 187.350 دولار (مائة سبعة وثمانيين الف وثلاثمئة دولار . اى 15612 دولار في الشهر ويعنى هذا 520 دولار فى اليوم لكل مواطن/ة  !!! 
فماهي طريقة توزيع هذا الدخل على السودانيين؟
في حين تقول بعض التقارير أن نسبة الفقر 90‎%‎ من السكان يقول عبداللة حمدوك رئيس الوزراء ان نسبة الفقر 65‎%‎ وهذا يعنى انه حتى بحسابات حمدوك وبافتراض ان هؤلاء ال65‎%‎ متساوين في دخل بقيمة 2 دولار في اليوم وهو حد الفقر حسب البنك الدولي فان  إجمالي نصيبهم من الدخل المحلى الإجمالي هو  2مليار و 400 مليون دولار ،وأن 35‎%‎ من السكان يستحوذون على 5 مليار و94 مليون دولار وهو ما يشكل 67.9 من الناتج المحلى الإجمالي .
وهذا يوضح ازمة الاقتصاد السوداني ليست في الانتاج بقدر ما انها في توزيع عائد هذا الانتاج واستهلاكه.
وبرغم التغيرات في حجم هذا الناتج بين عام والاخر الى انه لم ينعكس في تخفيض عدد الطبقة الفقيرة بل استمر تزايد حجمها من 64.5 في العام 2009 وفق الاحصائيات المستقلة فإنها ارتفعت الى  80‎%‎ وفق جهاز الاحصاء النرويجي في العام 2017  ويجرى الحديث الان عن 90‎%‎ بسبب السياسات الحالية .
النتائج المباشرة لذلك هي انه مهما زاد حجم الانتاج فانه لا يصب في مصلحة الطبقات الفقيرة بل يزيد ثروات الاغنياء، وان دعاية  رفع اسعار الوقود وتعويم سعر الصرف ستزيد الانتاج وتقلل معدلات الفقر هي مجرد اكذوبة .
ويجب ان يرفع الكادحين في السودان المطالبة بإعادة توزيع الانتاج والموارد مقابل مطالبات الرأسماليين بزيادته.
x

الأحد، 2 فبراير 2020

معالجة المتغيرات فى الحركه النقابيه

معالجة المتغيرات فى الحركه النقابيه
خالد اليسع
2/2/2020

نشأت الحركه النقابيه بشكلها الحديث كرد فعل على السياسات الراسماليه الهادفه الى الربح من خلال الضغط على دخل وبيئة عمل المنتجين لزيادة ارباح الطبقه الراسماليه وهذا لايعنى عدم وجود اشكال تنسيق نقابى سابقه لتشكل الواقع الراسمالى فحركات الثورات التى قام بها المسترقين ومن بعدهم الاقنان كانت تشكل مرحله متقدمه من التنظيم الطبقى ضد سيطرة الطبقات المسيطره. والسودان غنى بتجارب سابقه مكتشفه وغير ذلك من اشكال التنسيق النقابى فالانتفاضات المتقطعه التى وصلتنا اخبارها من خلال النقل الشفهى للمسترقين ضد الملاك وهروبهم ومواجهتهم لمالكيهم . وحتى الانتفاضات التى قامت بها مجموعات من القبائل السودانيه ضد السلطات الاستعماريه يمكن تفسيرها الى حد ما بانها كانت ضد سياسات طبقيه اكثر من حراك عنصرى وعنصرى مضاد.
خلال فتره طويله امتدت منذ ماقبل الاستقلال وحتى الان ظلت القوى السياسيه الثوريه تتبنى اطروحات نمط التطور اللاراسمالى بما يحمله من اطروحات التحالف مع مايسمى (الراسماليه الوطنيه) وبالتالى سكتت عن اطروحات تحويل الحركه النقابيه الى قوى ثوريه قادره على احداث تغيير جذرى فى علاقات الانتاج ،وحصرت المعركه الطبقيه للنقابات فى اطار اصلاحى يتجلى فى تحسين الاجور  والتعاونيات الاستهلاكيه والتغيير السياسى الذى يخدم مشاريع البرجوازيه والبرجوازيه الصغيره تحت مسمياتها المختلفه فى معركتها التنافسيه للسيطره على الاسواق المحليه وفرص الاستثمار.
المتغيرات التى حدثت خلال الثلاثين عاماً الماضيه تتجلى فى تفكيك حتى النمازج التى ظل يعتمد عليها مشرعى مشروع التطور اللاراسمالى فى السودان بسط السيطره الكامله للراسماليه من خلال علاقات انتاجها على اكثر المجتمعات بعداً عن دائره المدن.
والهزيمه الساحقه للراسماليه المحليه امام الراسمال العالمى ووكلائه وحتى تفكيك مؤسسات (القطاع العام) التى كانت تشكل منافساً لهذا الراسمال.
ادى ذلك الى تفكيك وحده النقابات القديمه عضوياً( الغاء المؤسسات الانتاجيه التى كانت تحتويها) مع تفكيكها السياسى من خلال قررات النظام بحل النقابات والاتحادات وفرض  اجسام نقابيه فوقيه من البرجوازيه الصغيره كقياده للحراك النقابى تخدم مصالح الطبقه المسيطره.
هذا الوضع يستدعى من القوى السياسيه الثوريه وفى مقدمتها حزبنا النظر بعمق الى مشروع التحالف الطبقى الذى يتبناه بما يسهم بشكل حقيقى فى قيادة الحركه النقابيه نحو اهدافها الاستراتيجيه الطبقيه بدلاً من حبسها فى صندوق الحركات الاصلاحيه الذى تجلس فيه الان.

كما ان الميزه الوحيده التى تجعل الطبقه العامله هى الطبقه الاكثر ثوريه كما اشار كارل ماركس هى ان خلاص افرادها هو خلاصها معاً .

من هى الطبقه العامله؟

وفقاً لماركس فالطبقه العامله تشمل كل الذين يبيعون قوة عملهم للاخرين الذين يعطونهم جزء من قيمتها بما يسمى بالاجر الضرورى ويحتفظون بجزء اخر من قيمتها يسمى فائض القيمه ليوفر للراسمالين ما يسمونه بالارباح (راجع قانون القيمه. رأس المال ،ماركس)، هذا على مستوى البنيه التحتيه خلال علاقات الانتاج لكن على مستوى البنيه الفوقيه فوعى الافراد بانهم ينتمون الى هذه الطبقه يؤدى دوراً اساسياً فى خلقهم للاجسام الثوريه فعلاً وابعادهم عن الاجسام الاصلاحيه البرجوازيه الصغيره .
إن مفهوم الطبقه العامله وفق الاسس الماركسيه ومتغيرات الواقع الان يتسع ليشمل الاطباء الذين يعملون بالمستشفيات الخاصه ومعلمى المدارس الخاصه والمهندسين بالورش والشركات وحتى المبدعين والاعلاميين بالمؤسسات الاعلاميه والفنيه الراسماليه وحتى المحامين والمحاسبين بالمكاتب والشركات الخاصه التى لن يمتلكوها يوماً فى ظل نهب فوائض قيمتهم من ارباب هذه المؤسسات ......الخ.
ولكن ماينقص هذه الطبقه فعلاً هو ايقاظها من وهم البرجوازيه الذى تغرق فيه وتمليكها الوعى بطبيعتها الطبقيه ، لتعمل على تنظيم نفسها بما يخدم مصلحة الطبقه التى تنتمى اليها فعلاً وليس تلك التى تخدعها وتوهمها من خلال العلاقات الاجتماعيه والطبيعه الاستهلاكيه انها جزء منها.
ووفق هذا الوضوح فانه فى ظل رسمله المجتمع السودانى الحاليه والتى قطعت شوطاً بعيداً يجعل الزعم بان السودان اصبح فى مرحلة الراسماليه فعلاً لديه مايسنده.



اما على مستوى الفعل النقابى التكتيكى فنحن بحوجه الى تبنى خطوات جاده وعمليه للبعد عن التحالفات السياسيه الحاليه داخل الحركه النقابيه وتبنى تحالفات مع العاملين بشكل مباشر وطرح خطابنا الفكرى والبرامجى وسطهم بشكل معقول يضمن رفع قدراتهم النقابيه وادراكهم ان مشروع الخلاص الفردى هو وهم يتناقض مع ابسط مقومات العمل النقابى ، إن الزياده الفرديه (لشخص او مهنه) فى المرتب لاتؤدى سوى لمزيد من القلق الوظيفى والارتفاع فى اسعار السلع بما يبتلع اضعافها مادامت هذه الزيادات تتم فى ظل سياسه اقتصاديه تعتمد على التحرير الاقتصادى وسياسات منظمة التجاره العالميه.
الحركه النقابيه الان تحتاج لتطوير ادواتها التنظيميه لتستطيع مجابهة مشروع الهيمنه الراسماليه بهيمنه مضاده كما وصفها قرامشى (راجع قضايا المجتمع المدنى) وهذا الامر يستدعى ان تطور من قدراتها فى الاتصال والاستفاده من التكنلوجيا الحديثه ( راجع من اجل تغيير جذرى بالسودان ، خالد اليسع يناير 2017) ، وخلق مؤسسات اعلاميه وثقافيه تطرح فكر وسلوك واخلاق الطبقه العامله فى مختلف المجتمعات بما يجعلها قادره على تقديم مشروعها والنضال لتحقيقه.
نحتاج كشيوعيين الى العمل بمجهود عالى لضمان استقلاليه الطبقه العامله عن المشاريع الراسماليه ومنظماتها التى تحاول باستمرار التغلغل فى اوساطها لضمان تمييعها كذلك استقلالها من الممارسه السياسيه الانتهازيه التى تحاول جعلها مجرد ادوات للوصول للسلطه ، يظهر هذا فى السودان بوضوح فى انشطة الاحزاب التى تسيطر عليها البرجوازيه والبرجوازيه الصغيره حيث انها تعمل على تغبيش الصراع الطبقى تحت غبار القضايا الدينيه والعنصريه. ومن خلال الادعاء المستمر بشكل مباشر او غيره ان الطريق للتنميه والرفاهيه لايمر الا من خلال بوابة الشركات الراسماليه والقروض .

التكتيكات الضروريه:-
نحتاج الان لبناء لممارسه نقابيه نزيهه ومصادمه تعمل على صياغة هياكلها وفق اهدافها وليس اهداف السلطه.
نحتاج الان لنشاط سياسى نقابى يضع مصالح الكادحين اولاً ويتم ذلك من خلال تبنى لجان تمهيديه تتم بجمعيات عموميه يستبعد منها عناصر نظام الانقاذ وحلفائه وفق قانون التفكيك.
تكون مهام هذه اللجان تنحصر فى :-

1/ استلام اصول النقابات بشكل قانونى وعدم التصرف فيها.
2/ مراجعة سجلات واجراءات ومالية هذه النقابات منذ العام 1989.
3/ الدفاع عن حقوق العاملين والغاء سياسات نظام الانقاذ الاقتصاديه التى افقرت العاملين.
4/ الغاء قوانين النقابات والاتحادات التى خلقها نظام الانقاذ وسن قوانين ديمقراطيه تحقق مصلحة العاملين.

الاتحادات الطلابيه والفئويه الاخرى :-
تحتاج هذه المؤسسات ان يتم استلامها من قبل قوى الثوره من خلال ممثلين نزيهين ومراجعيين قانونيين، وتتم مراجعتها قبل اى انعقاد لانتخابات جديده لان هذه الاجسام تم الاستيلاء عليها بالكامل من قبل عناصر الانقاذ وليس لها جمعيات عموميه جاهزه للقيام بهذا الدور الان.