عادة اعمار ام بناء دوله عدالة اجتماعية جديدة ؟
خالد اليسع
13/4/2024
مقدمة :-
اعتادت الراسمالية الاستخدام المتكرر لعبارة (اعادة اعمار ما دمرته الحرب ) ، لم يتم اختيار هذه العبارة عن طريق الصدفة فهي تحمل في داخلها المعني الحرفي لاعادة تدوير المصالح الرأسمالية.
من المعروف الان ان الحروب لا تنشأ في العصر الحديث الا بدوافع ووقود علاقات الاقتصاد السياسي الرأسمالية، يشمل ذلك المنطلق الأولي لاشعال الحروب وهو مبدأ الفردانية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الذي تكرس له علاقات الانتاج الرأسمالي بنهب مجهود الكادحين بمواقع الإنتاج، مروراً بدورها في زيادة الإفقار وتدمير البيئة للشعوب مما يسهل تحويلهم لجنود يقتلون بعضهم البعض لخدمة مصالح سادة وسيدات لا يرونهم بالعين المجردة .
تلعب الرأسمالية الدور الرئيسي في خلق اكبر قوة تدميرية ممكنة للحرب لان هذا يعني تسويق أعلى للسلاح ومنتجات الاعلام الحربى وفرص اكبر في تشغيل شركاتها بعد ذلك بهدف (اعادة الأعمار!!!)
لكن يطيب للسياسة البرجوازية وصف الحروب على انها مجرد صراع على السلطة بين أطراف لاعلاقة لهم بالاقتصاد السياسي لطبيعتها وبالتالي يسهل ترويج شعارها لاعادة الاعمار كأنما لم تكن هي جزء اساسي من دمار المعمر بسنوات طويلة من جهد الكادحين.
يلخص شعار أعاده الاعمار أيضاً الرغبة الملحة لاستنساخ ليس فقط المباني والطرق ولكن ذات الظروف وعلاقات الانتاج والتوزيع والاستهلاك التي خلقت اسباب الحرب سابقاً لان هذا ما يضمن الدخول في حروب جديد تحتاج لاعادة اعمار جديدة لتستمر دائرة الفوائد فتكلفة اعادة اعمار العراق بعد الحرب بلغت 125 مليار دولار وبلغت تكلفة الحرب تريليوني دولار تشكل ارباح فوائد الديون الأمريكية 925 مليار دولار ، اضافة لاستحواذ الشركات الأمريكية وغيرها على الأغلبية العظمى من عقود اعادة الاعمار .
كل هذه الارباح لشركات السلاح والبترول والإنشاءات وغيرها وفوائد ارباح الديون من البنوك والبيوتات المالية يدفع ثمنها أولاً الشعب العراقي وبعد ذلك الكادحين من دافعي الضرائب الامريكان وغيرهم .
كما ان تكلفة اعادة اعمار ليبيا بعد الحرب قدرت بأكثر من 111 مليار دولار في حين ان تكلفة الحرب بلغت 576 مليار دولار.
بالنظر من هذه الزاوية نفهم لماذا يتعالي خطاب اعادة الاعمار حتى قبل سكوت أصوات الرصاص ، فصحيح إن الراسمالية تربح من الخراب اكثر من اعادة الاعمار ولكن قبل دخول خطط اعادة الاعمار حيز التنفيذ لايمكن البدء بجني الارباح، و مرحلة اعادة الاعمار غير مرتبطة بتحقيق سلام دائم او حتي ايقاف الموت ويمكن ملاحظة ذلك في النموذجين المذكورين فبرغم استمرار الحروب والموت بالعراق وليبيا ولكن أجبر البلدان على توقيع عقود ضخمة لاعادة الاعمار ودفع تكاليف الحرب خصماً من احتياجات الشعبين الاساسية مما يجعل اندلاع مزيد من الحروب مسألة وقت فقط .
خيارات السودان
السودان الان ما بين نموذج يتم التبشير به تحت عنوان اعادة الاعمار وهو شكل يتركز الاعلان عنه في اعادة بناء الطرق وشبكات الكهرباء بالاستعانة بالشركات العالمية كما كان تروج لها حكومة حمدوك ومؤتمر شاتم هاوس وصندوق النقد الدولي.
ونموذج اخر يحتاج طرحه لمجهود عظيم من الشعب السوداني وقوى الثورة الحقيقية وهو نموذج يستند علي إلغاء النموذج السابق للتنمية غير المتوازنة واحتكار الموارد و الثروات لمصلحة أقلية مرتبطة برأس المال العالمي.
النموذج الاول تظهر ملامحه في لقاء وزير الطاقة للانقلاب مع هانس رنكى كبير مستشاري المجموعة الألمانية للخدمات والاستشارات بتاريخ ١٥/٢/٢٠٢٤ واعلانه فتح الفرص للشركات الألمانية لاعادة تاهيل القطاع والاستثمار فيه ، ويشمل الاطروحات المتعددة لاعادة الاعمار والتوصيات مثل تلك المقدمة في المائدة المستديرة في بيت التراث بالقاهرة في فبراير ٢٠٢٤ والذي طالبت من ضمن توصياتها بتفعيل الشراكة بين القطاع العام والخاص وهي الشراكة التي سنت لها حكومة حمدوك قانون في ابريل 2021 .
القانون المذكور يعطي الهيمنة الكاملة على الاقتصاد السوداني للشركات الرأسمالية الأجنبية والمحلية ويفتح البواب واسعاً امام فساد كبار موظفي الدولة وقد اوضحت ذلك في مقال سابق (١).
خلاصة اهداف هذا النموذج ستقود الي اعادة تشييد الخرطوم كعاصمة مركزية للرأسمالية بذات المواصفات والعيوب وربما عاصمة اخري موازية لها لدولة منفصلة حديثاً بغرب السودان ، يشمل ايضاً تنفيذ كامل سياسات البنك وصندوق النقد الدولي بخصخصة الاقتصاد وتشجيع الراسمالية المحلية والعالمية بما يضمن استمرار نهب موارد السودانيات والسودانيين واعادة بناء اقتصاد يتحكم فيه البورصة العالمية والبنك الفيدرالي الأمريكي او البنك الصناعي والتجاري الصيني وبنك جيه بي مورغان .
يركز هذا النموذج على اعادة بناء مؤسسات دولة تمهد وتخدم المستثمرين وليس المواطنين من خلال طرق تخدم حركة الصادرات ومشاريع إنتاجية بغرض الصادرات الأولية وشبه المصنعه ، وستمتنع تماماً عن تدخل القطاع العام او قطاع الدولة في عمليات الانتاج ، (اعني بالقطاع العام المؤسسات والشركات المملوكة بشكل جماعي للمواطنين مثل مشاريع الزراعة الجماعية و التعاونيات وشركات المساهمة العامة المملوكة للمنتجين ).
النموذج الثاني الواجب العمل عليه هو بناء وطن عادل بما تعنيه هذه الجملة من حقوق العدالة الاجتماعية وفرص العمل الجماعي والاشتراك الجماهيري الواسع للكادحين في تحديد نوع وكيفية الانتاج والتوزيع والاستهلاك.
تبدأ هذه التنمية ببناء واسع للتعاونيات وشركات المساهمة العامة داخل وخارج السودان ووسط اللاجئين والمغتربين بما يؤهل هذه المؤسسات للعب الدور القيادي المطلوب في عملية التنمية من خلال مراكمة المهارات والإمكانيات اللازمة.
هذا النموذج يلعب فيه قطاع الدولة دور محوري في عملية البناء للقطاع العام الواسع من خلال برنامج سياسي واقتصادي متكامل يضع مصالح الكادحين اولاً وبالتالي مصالح السودان مقدمة على مصالح الشركات الأجنبية وصناديق التمويل التي تقف خلفها ولا يتعارض في بشكل كامل مع الاستعانة بالخبرات الأجنبية في تاهيل الكادر السوداني وتطوير القدرات التقنية للمؤسسات ولكن وفق اشتراطات محددة تخدم فرص الاستغناء التدريجي عن المؤسسات الاقتصادية الأجنبية بتوطين الانتاج والتقنية.
وفي هذا الاطار يمكن الاستفادة من تجارب سابقة باخطائها وايجابياتها لدول مثل الاتحاد السوفييتي(2) و الصين اثناء الثورة الصينيه.
من المهم ان يركز هذا النموذج على بناء موسسات انتاج ادوات الانتاج نفسها وليس فقط المواد الاستهلاكية فصناعات مثل صناعة الآلات المتوسطة مهمة لضمان استمرار التنمية وعدم الخضوع لشروط المؤسسات الأمبريالية التي يمكنها محاصرة السودان عن طريق منع نقل ادوات الانتاج.
يجب ان يكون هناك استراتيجية مهمة في ما يتعلق بتحويل علاقات الانتاج التناحرية بي الرعاة والمزارعين في اغلب مواقع السودان خصوصأ غربه وجنوبه لعلاقات تكافلية ولايمكن الوصول لذلك دون تحويل هذه الأنشطة لشكل اكثر استدامة بيئياً واكثر تطور تقنياً من خلال تحويل منتجاته بواسطة الصناعات التحويلية والتي تساهم من خلال علاقات انتاجها في تذويب الفروق العنصرية وفي حال اكمال ذلك من خلال العلاقات التعاونية فان ذلك يقود لترسيخ الديموقراطية كجزء اساسي في نمط الحياه وبالتالي يسهل بناء ديمقراطية سياسية في حال ترسيخ الديمقراطية الاقتصادية.
هذا الاتجاه يؤدي على المدي الطويل والمتوسط لانتفاء فرص التمليش (تحول المواطنين لجنود مليشيات مرتزقة) من خلال توفير فرص مستقبلية افضل لهم وتغيير مفاهيم وتركيبة البنية الثقافية لهم لشكل اكثر عدالة وديموقراطية.
كيف نبني البنية التحتية ما بعد الحرب ؟
البنية التحتية الانشائية هي وبعكس الاعتقاد الشائع مجرد وسيلة لتنفيذ البنية التحتية الاقتصادية والسياسية، فإنشاء شبكات الطرق والموانئ البرية والبحرية والجوية وحتى تخطيط المنازل هو وسيلة لتنفيذ الخطط الاقتصادية وفق محددات ابرزها (الرغبة في زيادة الانتاج او الاستهلاك ، وضع الاولوية للتصدير ام تنمية السوق المحلى ، الاتجاه للزراعة والصناعة واسعة النطاق المجاورة للمدن ام تاسيس المدن الزراعية والصناعية في مواقع الانتاج ….الخ) .
وفي حين تبحث مشاريع (اعادة الاعمار) عن تحقيق اكبر قدر من الارباح لافراد محددين وبالتالي تركز تخطيط البنية التحتية لزيادة الانتاج والاستهلاك المرتبط بالخارج فان مشروع البناء العادل يركز على تحسين ظروف الحياه والانتاج والتوزيع بغرض خدمة السكان المحليين ثم تصدير الفائض للخارج ، وبالتالي التركيز على توزيع القاعدة الانتاجية والسكنية جغرافيا على كل السودان بدلاً من نماذج العمارات الشاهقة المتكدسة بالعاصمة والمدن الكبرى و انشاء الكباري التي تحل مشاكل تكدس السكان وازدحام الطرق.
خلاصة الفكرة اعلاه اننا يجب ان نتجه لطريق بديل لبناء السودان العادل بدلاً من تكرار مشاريع اعادة الاعمار التى تروج لها الشركات وبيوت التمويل العالمية التي لاتري في حرب السودان سوى فرصة لفتح أسواق وتحقيق ارباح جديدة لها تساهم مستقبلاً في اعادة التدمير وفق ذات دائرة الشر .
1/ قانون شراكة ام هيمنة شركات – خالد اليسع- نوفمبر 2021
2/ وضع الاتحاد السوفييتي خطط للتخلص من التبعية شملت الاستعانة بالخبرات الأجنبية بالدول الرأسمالية وحتى شركاتها ولكن تحت خطط مركزية للدولة.